السبت، 3 أغسطس 2013

القدومي: عباس تواطأ لاغتيال عرفات

الاثنين 19/7/1430 هـ - الموافق 13/7/2009 م (آخر تحديث) الساعة 22:46 (مكة المكرمة)، 19:46 (غرينتش)
القدومي: عباس تواطأ لاغتيال عرفات
القدومي قال إن عرفات أودع لديه محضرا للقاء سري بين عباس وشارون (الجزيرة-أرشيف)

اتهم أمين سر اللجنة المركزية العليا لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) فاروق القدومي الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالتواطؤ مع السلطات الإسرائيلية لاغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
وقال القدومي في مؤتمر صحفي مصغر بالعاصمة الأردنية عمان الأحد إن عرفات أودع لديه قبل وفاتهمحضرا لاجتماع سري جمع عباس والمسؤول السابق في الأمن الوقائي الفلسطيني محمد دحلان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون وضباط من الاستخبارات الأميركية، وتم التخطيط فيه لاغتيال عرفات وقيادات أخرى من فصائل المقاومة الفلسطينية.
الخطوة الأولىوحسب نسخة موجزة من المحضر تلاها القدومي على الصحفيين الحاضرين للمؤتمر –تلقت الجزيرة نت نسخة منها- فإن شارون قال لعباس ودحلان إنه يجب العمل على قتل كل القادة العسكريين والسياسيين لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح.
محمد دحلان كان قائدا للأمن الوقائي بغزة(الجزيرة نت-أرشيف)
ويضيف شارون –حسب النسخة المذكورة- "يجب أن تكون الخطوة الأولى هي قتل عرفات مسموما، فأنا لا أريد إبعاده إلا إذا كان هناك ضمانات من الدولة المعنية أن تضعه في الإقامة الجبرية، وإلا فإن عرفات سيعود ليعيش في الطائرة" في إشارة إلى تنقلاته الكثيرة في العالم لما كان خارج فلسطين.
وتنسب نسخة المحضر إلى عباس قوله ردا على شارون "إن مات عرفات قبل أن نتمكن من السيطرة على الأرض، وعلى كل المؤسسات، وعلى حركة فتح وكتائب الأقصى، فإننا قد نواجه مصاعب كبيرة".
واقترح عباس –حسب النسخة دائما- تمرير المخططات الإسرائيلية عبر عرفات نفسه بدفعه إلى الموافقة على تصفيات قيادات المقاومة الفلسطينية ليتحمل تبعات ذلك.
مراقبة المقاومين
وتنقل نسخة المحضر عن دحلان قوله لشارون "نحن الآن قمنا بتشكيل جهاز خليط من الشرطة والأمن الوقائي، وتجاوز عدده 1800 شخص. وهذا الخليط حتى نتمكن من استيعاب من تم تزكيته من قبلكم".
وأضاف دحلان "نحن الآن نضع كافة الضباط في كل الأجهزة أمام خيارات صعبة، وسنضيق عليهم بكل الوسائل حتى يتبعونا، وسنعمل على عزل كل الضباط الذين يكونون عقبة أمامنا".
وحسب النسخة فإن دحلان أكد لشارون أنه وضع "أخطر" قيادات حماس والجهاد وكتائب الأقصى تحت المراقبة، وقال "لو طلبت مني الآن أخطر خمسة أشخاص، فإني أستطيع أن أحدد لكم أماكنهم بدقة" مضيفا أنه يعمل على اختراق صفوف التنظيمات الفلسطينية.
ويقول دحلان أيضا متوجها بالحديث لشارون "عوامل النجاح أصبحت بأيدينا، وعرفات أصبح يفقد سيطرته على الأمور شيئا فشينا, وأصبحنا نسيطر على المؤسسات أكثر من السابق (...) وقد أرسلنا لكم كل الوثائق حول تلك المواضيع بالتفصيل".
تصرفات انفراديةووزع القدومي أيضا في المؤتمر الصحفي بيانا يتهم فيه الرئيس الفلسطيني "بالاستبداد" في "تصرفاته الانفرادية" و"اقتناص ألقاب" عرفات.
وقال البيان –الذي تلقت الجزيرة نت نسخة منه- إن عباس "طلب تسميته قائدا عاما للثورة، ثم رئيسا لدولة فلسطين في المنفى، وصار مغرما بالألقاب والتسميات اللامعة باسترضاء أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري (لحركة فتح) أحيانا، أو بالاحتيال على أعضاء المجلس المركزي الذي لا يملك صلاحيات كهذه".
القدومي اتهم محمود عباس بالاستبداد في "تصرفاته الانفرادية (الجزيرة-أرشيف)
واتهم البيان عباس بأنه "استمرأ الزلل والتعاون والتنسيق مع المحتل الإسرائيلي من خلال لقاءاته الحميمة التي يجريها مع قادة العدو الإسرائيلي باسم المفاوضات السياسية في ظل موافقة أميركية".
وقال البيان إن الرئيس الفلسطيني "أمر باعتقال قدامى المناضلين واستبدلهم برجال أمن حديثي العهد جرى تدريبهم بإشراف الجنرال الأميركي (كيث) دايتون، وأحال على التقاعد أصحاب التجارب الطويلة والخبرات من عسكريين ومدنيين".
وندد بقرار عقد المؤتمر السادس لحركة فتح في مدينة بيت لحم "في حضن الاحتلال الإسرائيلي وعلى مرأى من رجاله وأعوانه"، وتساءل لماذا هذا الإصرار على عقده في الأراضي الفلسطينية المحتلة "هل ليتحكم البعض به وبنتائجه؟ أم لهدم حركة فتح ووصمها بالإذعان لتنقلب إلى حزب سياسي محلي في ظل وصاية إسرائيلية؟".
المصدر:الجزيرة
الملك السعودي عبد الله وأفراد من عائلته المالكة. د ب أ

النفوذ الخليجي في مصر بعد عزل مرسي

سياسة دفاتر الشيكات السعودية...تقويض للديمقراطيات العربية الناشئة

تحاول السعودية من خلال تقديم مساعدات اقتصادية بالمليارات التأثير على السياسة ودعم المؤسسة العسكرية في مصر بهدف القضاء على عدوها القديم المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين، فأشد ما تخشاه السعودية هو صعود الإسلاميين عبر صناديق الاقتراع كما يرد في تحليل الصحفي البارز كريم الجوهري لموقع قنطرة.
لم تمر سوى أيام على عزل الرئيس محمد مرسي وتحييد الإخوان المسلمين في مصر عن الساحة السياسية حتى أخرج حكام الدول الخليجية المستبدون دفاتر الشيكات وتعهدوا بتقديم اثني عشر مليار دولار للبلد بشكل فوري.
لقد كانت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أول دولتين تهنئان القائد العام للقوات المسلحة المصرية عبد الفتاح السيسي والرئيس الانتقالي للبلد الذي نصبه الجيش عدلي منصور بعد الانقلاب.
إذ مدح العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز الجيش وأضاف أنه أخرج "مصر من نفق مظلم". أما وزير الخارجية الإماراتي أنور قرقاش، فقد علق بأن "رفض المصريين لحكومة إسلامية يشكل نقطة تحول في المنطقة".
 الملك السعودي عبد الله. د ب أ
سياسة السعودية في إعادة الأنظمة القديمة: يرى كريم الجوهري أن "أي تحول عربي يفضي إلى مستقبل ديمقراطي سيكون أمراً مفزعاً بالنسبة للملوك والأمراء في الخليج".
دعم مالي من الخليج
لكن الأمر لم يتوقف عند الدعم المعنوي، إذ تعهدت السعودية والإمارات بتقديم ثمانية مليارات دولار للحكومة المصرية، فيما أكدت أبو ظبي أن هذه هي البداية فقط. كما تعهدت الكويت بعدها بأيام قليلة بتقديم أربعة مليارات دولار.
إن مصر في حاجة ماسة إلى هذا الدعم المالي، فاحتياطي العملة الصعبة هبط منذ الإطاحة بنظام مبارك من 36 مليار إلى 14.9 مليار، على الرغم من أن جزءاً كبيراً من هذا الهبوط لم يحدث في عهد مرسي، بل في عهد المجلس الأعلى للقوات المسلحة. ووصل الأمر إلى حد عجز القاهرة عن دفع ثمن شحنات الوقود التي تستلمها.
وبتوقيت مثالي، يصل مليارا دولار من الأموال السعودية على هيئة شحنات نفطية، مما يعني أن مصر لن تضطر إلى اللجوء إلى مخزونها النفطي الاستراتيجي، وأن مشهد الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود، الذي كان أحد أسباب الاحتجاجات الشعبية ضد مرسي، ينتهي بسرعة.
محطة وقود في القاهرة. غيتي إميجيس
شح في الوقود: بعد عزل الرئيس المصري محمد مرسي، قاربت مشكلة شحّ الوقود على الانتهاء وذلك بفضل شحنات النفط السعودية المجانية. وتحاول السعودية من خلال مساعداتها الاقتصادية التأثير على السياسة المصرية.
ويعبر عبد الله العسكر، عضو لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشورى السعودي، عن الخط السياسي الرسمي للمملكة، إذ يؤكد أن "سِلْم مصر واستقرارها مهم بالنسبة للسعودية". لكن حين يستخدم أمراء الخليج وملوكها السلطويون دفاتر الشيكات ألا يجب على الجميع إطلاق صفارات الإنذار بخصوص مستقبل الديمقراطية في مصر؟
أولاً، يتعجب المرء من أن السعودية، أم الأصولية الإسلامية، تحتفل عندما يتم قلب الحكم على الإسلاميين في مصر. لكن ذلك يتم تبريره غالباً بأن السعودية دأبت على دعم المنافسين الإسلميين للأخوان المسلمين في مصر، أي السلفيين المتشددين، الذين ركزوا دائماً على أسلمة المجتمع وإدخال الشريعة على كافة أوجه الحياة اليومية، بينما سعى الإخوان إلى التغيير من خلال دخول المعترك السياسي والتغلغل في مؤسسات الدولة.
الإخوان...منافس مزعج للملكيات السعودية
العاهل السعودي عبر بوضوح عن منهجه المفضل أثناء الخطاب الذي ألقاه بمناسبة حلول شهر رمضان الحالي، حين قال: "لن تسمح المملكة على الإطلق بإنشاء أحزاب فيها، لأن ذلك لن يؤدي سوى إلى الصراع والفشل".
هذا يوضح أيضاً سبب دعم السعودية لمصر في فترة ما بعد مرسي، إذ لا تلعب هنا أيديولوجية السلفيين في مواجهة أيديولوجية الإخوان الدور الرئيسي. فسبب كره النظام السعودي السلطوي للإخوان بهذا الشكل هو أنهم، أي الإخوان، سعوا للحصول على شرعيتهم من خلال صناديق الاقتراع.
أي حركة إسلامية تقوم بذلك يُنظر إلها كتهديد مباشر لدول الخليج، لأن ذلك يشكك في شرعية الحكم الملكي الوراثي القائم على تأويل سلطوي للدين، وأيضاً لأن هذا التشكيك جاء من مصدر إسلامي وليس من مصدر غربي.
وحتى حين قررت حركة حماس الفلسطينية المشاركة في الانتخابات التشريعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، سارعت السعودية إلى التخلي عنها، وهذا أحد الأسباب التي دفعت حماس فيما بعد للتوجه إلى إيران.
أحد صناديق الاستفتاء على الدستور في مصر. أ ب
يرى كريم الجوهري أن كل صوت يُدلى به في انتخابات حرة يشكل هزيمة بالنسبة للسعودية. فالمنافسة بين الإخوان المسلمين والسلفيين ليست السبب الرئيسي لتدخل الدول الخليجية الكبرى في مصر، بل محاولة الإخوان المسلمين للحصول على الشرعية السياسية عن طريق الانتخابات.
الخوف من الديمقراطية
إلى جانب ذلك، فإن حكام الإمارات أيضاً يكرهون الإخوان المسلمين، ففي الأسبوع الذي سبق الانقلاب في مصر، تم النطق بالحكم في القضية المعروفة بقضية الـ94. هذه المحاكمة الجماعية لأربعة وتسعين ناشطاً سياسياً في الإمارات وصفتها منظمات حقوق الإنسان بأنها "غير عادلة في جوهرها".
فقد تم الحكم بالسجن لفترات تتراوح بين سبعة أعوام وخمسة عشر عاماً على 69 متهماً بسبب ارتباطهم بتنظيم للإخوان المسلمين تآمر على حكام الإمارات. كما اقترح المتهمون تنظيم انتخابات لاختيار أعضاء مجلس الشورى في البلاد.
ويوضح كريستوفر ديفيدسون، خبير الشؤون الخليجية في جامعة دورهام البريطانية، الدوافع في حوار هاتفي مع قنطرة بالقول: "المساعدات المالية الخليجية لمصر ناجمة عن الخوف من أن تتطور أكبر الدول العربية بشكل ديمقراطي عبر الانتخابات ... فالسعوديون والإماراتيون يعتقدون بأن التغيرات الحالية في مصر لصالحهم. لذلك أخرجوا دفاتر الشيكات - كما يفعلون دائماً - من أجل التأثير على سير الأمور".
كما تعتقد صحفية أوروبية عملت في الخليج لسنوات ولا ترغب في الكشف عن هويتها بأن "السعوديين يريدون شراء مرحلة انتقالية في مصر".
من خلال المساهمات السعودية الحديثة في مصر، فإن التوازنات في المنطقة بدأت تتغير. فإمارة قطر، التي تعتبر الممول الخليجي الوحيد للإخوان المسلمين والتي دعمت مرسي بثمانية مليارات دولار ولم تُخْفِ دعمها للإخوان، يُنظر لها على أنها الخاسر السياسي الأكبر في منطقة الخليج، لأنها راهنت على الحصان الخاسر. لكن الدوحة تقبلت الأمر بصدر رحب.
السعودية أكبر مصدّر للنفط في العالم. أ ب
يحاول السعوديون من خلال أموال النفط شراء مرحلة انتقالية في مصر. لكن نجاح ذلك في وقف عملية نشر الديمقراطية في البلاد أمر مشكوك به.
فقد أثنت قطر على دور الجيش المصري في حماية الأمن القومي للبلاد وأعلنت احترامها لإرادة الشعب المصري. ودون الإشارة إلى الإخوان، تحدثت الدوحة بغموض عن الاستمرار في دعم مصر، فهي تريد البقاء أيضاً في اللعبة.
الخاسر الثاني في المنطقة هي تركيا، ذلك أن رئيس الوزراء إردوغان دعم الإخوان سياسياً ومالياً بشكل واضح. والآن لم تعد لديه مشكلة في منتزه غيزي وحسب، بل عليه أن يتوقع أيضاً تراجع نفوذ دولته في كبرى الدول العربية من الناحية السكانية.
السعودية تراهن على عودة نظام مبارك
هذا ومن غير الممكن حتى الآن التنبؤ بنجاح السعودية في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في مصر، إلا أنها تحاول على الأقل تحييد التهديد الديمقراطي القادم من هذه القوة الإقليمية، وهو تهديد قد يشكك في الأنظمة الخليجية السلطوية. لذلك قامت تلك الدول على مدى عقود من الزمن بتقديم دعم هائل لنظام حسني مبارك.
والآن تأمل الرياض وغيرها من العواصم الخليجية في أن تجد المؤسسات الأمنية القديمة ونظام المحسوبيات الذي كان سائداً إبان عهد مبارك موطئ قدم من جديد. وفي هذا الصدد يشير ديفيدسون إلى أن "على هذه الأنظمة ألا تفرح مبكراً، فكل انتفاضة تنجح في تحريك الملايين من أفراد الشعب تشكل في نهاية الأمر تهديداً للأنظمة الخليجية السلطوية. وهذا ينطبق على الاحتجاجات الشعبية التي جرت في الثلاثين من يونيو" 2013.
وبينما يمسك العسكر في مصر بخيوط اللعبة السياسية، فإن الخارطة السياسية للبلاد بعد الإطاحة بمرسي ستعيد تشكيل نفسها من جديد، إذ ينبغي على الإخوان المسلمين المطرودين إعادة التموضع مجدداً، ومن الآن بدؤوا في إطلاق الشعارات القومية بدل الدينية. لكن مستقبل تحركهم خارج النظام السياسي أو داخله يبقى خاضعاً للتكهنات.
إن التحالف الذي شُكّل ضدهم سيتفكك بسرعة، إذ لاحظ الثوريون المخضرمون في ميدان التحرير أن الانتفاضة التي قامت ضد الإخوان المسلمين شملت العديد من القوى الداعية إلى عودة النظام القديم، التي تقف السعودية إلى جانبها كحليف متنفذ. ويبقى الثابت هو أن أي تحول عربي يفضي إلى مستقبل ديمقراطي سيكون أمراً مفزعاً للملوك والأمراء في الخليج.


كريم الجوهري
ترجمة: ياسر أبو معيلق
تحرير: علي المخلافي
حقوق النشر: قنطرة 2013

المئوية الأولى لميلاد نجيب محفوظ:نبوءات محفوظ.....رؤية ثاقبة وعبقرية استشراف المستقبل

تحتفل مصر بمئوية نجيب محفوظ في في أجواء يسودها النقاش حول أعماله التي اتهمها بعض السلفيين بأنها تدعو إلى "الإلحاد" و"تحض على الرذيلة والفسق". العودة إلى أعمال محفوظ تثبت قدرته على التنبؤ بما يحدث الآن. سمير جريس والمزيد من التفاصيل.

"البلد مريض بالتعصب... يريدون أن يرجعونا أربعة عشر قرناً إلى الوراء". هذه المقولة، النبوءة، قالها نجيب محفوظ في روايته "يوم قُتل الزعيم" التي صدرت عام 1985، ورصد فيها عميد الرواية العربية التغييرات التي حلّت بالمجتمع المصري في السبعينات، وأبرزها نمو اتجاهات التطرف والتعصب وسطوة تيار الإسلام السياسي. في هذه الرواية يصف محفوظ الأجواء التي سبقت مقتل الرئيس الأسبق أنور السادات على يد إحدى الجماعات الإسلامية، رغم أنه كان هو الذي أطلق العنان لتلك الجماعات – مثلما يتهمه كثيرون - وذلك لكي يحارب المعارضة التقليدية المتمثلة في اليسار المصري. وما لبثت الجماعات المتطرفة أن هاجمت محفوظ نفسه في عام 1994 عندما تربص بالروائي شاب لعله لم يقرأ له كلمة واحدة، وطعنه بالسكين في عنقه طعنةً ظل يعاني محفوظ من آثارها حتى توفي في عام 2006.

14 قرناً إلى الوراء
"
يريدون أن يرجعونا أربعة عشر قرناً إلى الوراء". يتذكر عديدون هذه المقولة المحفوظية عندما يستمعون إلى تصريحات قادة التيار السلفي في مصر الذي حقق نتائج مدهشة في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية المصرية. أبرز تلك التصريحات ما أعلنه القائد بحزب النور السلفي عبد المنعم الشحات. زعم الشحات أن أدب محفوظ – الذي تحتفل مصر بمرور مئة عام على مولده في الحادي عشر من ديسمبر (كانون الأول) – "يحض على الرذيلة" وأنه يدور "حول الدعارة وأوكار المخدرات"، كما أن بعض رواياته تحمل "فلسفة إلحادية".
هكذا أطلق الشحات حكمه المطلق على كل أدب نجيب محفوظ – تُرى هل قرأه؟ ليس هذا هو السؤال المطروح، إذ لم ينتخب أحد السلفيين – مثلما كتبت الروائية سحر الموجي على صفحتها على الفيسبوك – لكي يعطوننا رأيهم في الأدب والأدباء، بل لكي ينهضوا بمصر "في مجالات التعليم والصحة ومكافحة الفقر". فهل لديهم هذا البرنامج؟ هذا هو السؤال المطروح. الهجوم على أعمال نجيب محفوظ ليس جديداً، لا سيما بعد أن كتب "أولاد حارتنا" (1959) التي ظلت سنوات طويلة ممنوعة في مصر بسبب ما أثارته من جدل ديني. وعندما نال محفوظ جائزة نوبل في عام 1988 زعم المتحدثون باسم الإسلام السياسي في مصر أن الجائزة "جزء من حرب صليبية جديدة على العالم العربي"، مثلما يقول الناقد جابر عصفور في كتابه "زمن الرواية"، وكان "دليلهم" على ذلك أنها لم تمنح إلا لروايات "كاتب تخرج مجموعة من أعماله على العقائد الإسلامية".
والآن يتجدد هذا الجدل مع احتفال مصر بمئوية عميد الرواية العربية، والأديب العربي الوحيد الحاصل حتى الآن على جائزة نوبل. فهل ستشهد مصر في الفترة القادمة، ومع الأغلبية المتوقعة للتيار الإسلامي في البرلمان المصري، اختفاء لبعض أعمال محفوظ؟ أم أنها ستتعرض لرقابة "أخلاقية" تؤدي إلى حذف هذا المشهد أو ذاك من إحدى رواياته، وهو ما حدث قبل سنوات لروايات إحسان عبد القدوس، عندما أراد الناشر أن يعيد طبعها، فقام "بتهذيبها" وحذف المشاهد التي لم ترق لذوقه المحافظ. أم هل سيصل الأمر إلى حرق روايات محفوظ في ميدان عام، باعتبارها "تحض على الرذيلة والفسق"؟
انتقام بعد قمع وتهميش
" مصر على عتبة لحظة فارقة"، يقول القاص سعيد الكفراوي مجيباً على هذه التساؤلات، ويضيف في حديث مع دويتشه فيله أن مصر - في هذه الفترة التي أسفرت عن سطوة "السلف الصالح" في الانتخابات "بتمويل من بلاد النفط" - تفتقد إلى رؤية مثل رؤية محفوظ، "رؤية تبصر وتطرح أسئلتها مثلما طرحتها في 46 عملاً".

ويرى الكفراوي أن "الإسلاميين يجيئون الآن وهم يحملون روح الانتقام من كل السنوات الماضية" التي تعرض فيها التيار الإسلامي إلى قمع وتهميش وصل إلى حد إعدام بعض أفراده، مثل سيد قطب. وهذا هو سبب تلك "التصريحات المذهلة التي نسمعها الآن" التي تنادي بتغطية التماثيل أو مصادرة الأعمال التي "تتنفس بالحرية". ويشير الكفراوي في حديثه إلى دويتشه فيله إلى قدرة نجيب محفوظ على التنبؤ بالمستقبل: "نجيب محفوظ أحد الكتاب الكبار الذين قرأنا في أعمالهم المبكرة إشارات أساسية لنمو تيار الإسلام السياسي. لقد كان – رحمه الله – أحد المتنبئين الكبار". أما الروائي إبراهيم عبد المجيد فيقول لدويتشه فيله إن الشحات "رجل يسعى إلى النجومية الإعلامية فقط. عندما أراه أضحك، لأني أشعر بأنه قادم من تاريخ قديم". ويؤكد عبد المجيد أهمية "التصدي للشحات بالكلام والكتابة وبالفعل، ولذلك يجب أن يكون الاحتفال بنجيب محفوظ كبير جداً". ويقترح على الجمعيات الثقافية والأهلية أن تنظم أسابيع لأفلام محفوظ لمواجهة هذا النوع من "الغباء الفكري".
نبوءات محفوظ

عندما نلقي نظرة على روايات محفوظ، نكتشف بالفعل قدرته التنبؤية. لقد اقترب عميد الرواية في عديد من أعماله من التيار الديني بكافة أطيافه، واصفاً شخصية "الإخواني" وشخصية "المتطرف" دينياً أو سياسياً. في "القاهرة الجديدة" (1946) مثلاً صوّر محفوظ الإخواني ممثلاً في مأمون رضوان، الماركسي ممثلاً في علي طه. وهو يقول مقارناً بين الاثنين: "الأستاذ مأمون قمقم مغلق على أساطير قديمة، وعلي طه معرض أساطير حديثة". ويبدو وصف محفوظ لشخصية الإخواني إيجابياً في معظمه، فالراوي معجب خصوصاً بـ"صدقه وشجاعته".

أما في "خان الخليلي" (1946) فكان أحمد عاكف، المقلّد المتبع، يقف في مواجهة أحمد راشد العصري الذي أراد أن "يحرر العقل من النقل"، مثلما يقول جابر عصفور في دراسته "في مواجهة الإرهاب". أما في "السكرية" (1957)، الجزء الثالث من الثلاثية، فيصور محفوظ التناقض بين الأخوين عبد المنعم شوكت (الإخواني) وأحمد شوكت (الماركسي)، وبينهما يقف في وسط الطريق كمال عبد الجواد، الذي يمثّل الراوي محفوظ نفسه.

سيد قطب في "مرايا" محفوظ

في "المرايا" (1972) يصوّر محفوظ عدداً من الشخصيات ذات التوجه الديني، منها المسلم المستنير النقي، ومنها العابس المتجهم الذي لا يرى في الدين سوى فروض، ومنها الذي يتاجر بالدين. وأبرز تلك الشخصيات هي شخصية عبد الوهاب اسماعيل التي تُعتبر مرآة للقائد الإخواني سيد قطب الذي أُعدم عام 1965.  لا ينكر محفوظ إعجابه بموهبة إسماعيل في النقد الأدبي، غير أنه ينفر من تعصبه، واتهامه المجتمع كله بالجاهلية، ونظرته إلى الحضارة الأوروبية بوصفها "خبائث علينا أن نجتثها من نفوسنا". ويذكر الراوي أن كاتباً قبطياً أهداه كتابا له يحوي مقالات، ورغم إعجاب اسماعيل بالكتاب فقد رفض أن يكتب عنه لأن "لا ثقة له في أتباع الأديان الأخرى"، ولأنه "لن يشترك في بناء قلم سيعمل غداً على تجريح تراثنا الإسلامي بكافة السبل الملتوية".

كما يكشف الراوي عن جانب انتهازي في شخصية عبد الوهاب إسماعيل الذي يمتدح ناشراً في مقالة، لأنه نشر له كتاباً نظير أجر ممتاز لم يحصل عليه أحد من قبل. وبعد أن يتعرض إسماعيل إلى السجن والتعذيب يزداد انغلاقاً، وعندما يُفرج عنه يهاجم العلم هجوماً حاداً "لأننا لن نتميز به. لا رسالة علمية لنا نقدمها للعالم، ولكن لدينا رسالة الإسلام". لم يرسم محفوظ شخصياته بالأبيض والأسود، ولم يكن الإسلامي عنده هو الطيب والماركسي هو الخبيث أو العكس. غير أن الروائي القدير ينحاز في عديد من أعماله إلى التحديث وإعمال العقل، رافضاً الاتجار بالدين. وقد كان محفوظ ثاقب النظرة عندما تنبأ بغلبة التيار الديني على العلماني في مصر، مثلما نقرأ على لسان أحمد شوكت في "السكرية": "عرفت بالتجربة أنه ليس من العسير إقناع المثقفين بأن الدين خرافة، وأن الغيبيات تخدير وتضليل، ولكن من الصعوبة بمكان مخاطبة الشعب بهذه الآراء، وأن أكبر تهمة هي رمي حركتنا بالإلحاد أو الكفر".

عندما نعيد قراءة أعمال محفوظ نكتشف كم تتمتع براهنية أكثر من أي وقت مضى، وكم كان العميد ثاقب الرؤية في أعماله، التي يبدو في بعضها وكأنه يتحدث عن مصر عام 2011 ، حيث يواجه دعاة العلمانية والدولة المدنية اتهامات بالكفر والإلحاد.


سمير جريس
مراجعة: منى صالح
أطفال فلسطينيون على الحدود المصرية الفلسطينية. أ ب

29.07.2013ردود الفعل الفلسطينية في غزة على عزل مرسيموسم الإطاحة بحركة حماس؟

من المشكوك به أن يجد نداء التمرد ضد حركة حماس في غزة، الذي تناقلته المواقع الإلكترونية بعد وقت قصير من الإطاحة بمرسي، آذاناً صاغية. لكن من المؤكد أن قطاع غزة لا يمتلك مؤسسة عسكرية مستقلة تمتلك القوة للإطاحة بحماس، كما ترى الباحثة إنغريد روس.
تابع سكان قطاع غزة الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي بقلق كبير، ذلك أن الإطاحة بالرئيس المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين على يد الجيش هزّت المجتمع الفلسطيني. فهذا يعني أولاً تشديد الحصار المفروض على القطاع من خلال إغلاق الأنفاق التي تربط بينه وبين مصر وإغلاق معبر رفح الحدودي، الذي كان آلاف الفلسطينيين يمرون من خلاله يومياً.
ومن خلال توقف حركة السلع عبر الأنفاق، فإن التحكم بدخول البضائع سيكون في يد إسرائيل بالكامل. ويرى الكثير من الفلسطينيين تشابهات في الوضع السياسي بين قطاع غزة ومصر، ففي كلا المجتمعين تحكم أو حكمت أحزاب الإسلام السياسي. وفي فلسطين، لم تثر المشاركة في النظام السياسي نقاشات مكثفة داخل حماس وحسب.
بل حتى المراقبون تساءلوا حول قدرة حزب الإسلام السياسي على المشاركة في العملية الديمقراطية، وشككوا في قدرته على الاعتراف بمصطلحات مثل التعددية والتسامح وحرية الرأي. لكن المتفائلين أشاروا إلى النموذج التركي المتمثل في حزب العدالة والتنمية، الذي لم يواجه مشاكل على ما يبدو في اللعب حسب القوانين الديمقراطية.
معبر رفح جنوب غزة. د ب أ
المعبر الحدودي الوحيد في قطاع غزة وبوابتها على العالم الخارجي: بعد أربع سنوات من الحصار، قامت مصر في مايو 2011 بإعادة فتح معبر رفح الحدودي. الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، الذي دعمه الرئيس السابق مبارك، كانت له سمعة سيئة للغاية في أوساط الشعب المصري.
انقسام عميق في المجتمع
المتشائمون، من جهتهم، يشيرون إلى إيران، التي يهيمن فيها مجلس صيانة الدستور الديني على السياسة والمجتمع. في مصر، كما في فلسطين، كانت شرعية سلطة أحزاب الإسلام السياسي ديمقراطية. لكن في فلسطين قاطع المجتمع الدولي حماس بعد فوزها في انتخابات سنة 2006. أما في مصر، فقد كان الجيش وأعداد غفيرة من غير الراضين من الشعب هم المسؤولون عن عزل مرسي.
في كلتا الحالتين، شهد المجتمع انقساماً عميقاً، ليس حول قضية تقاسم السلطات وحسب، بل وحول الموقع الذي يجب على الدين شغله في السياسة والمجتمع. فالعلمانيون ومن يتبعون الفكر الغربي من أفراد الشعب يخشون من أسلمة الحياة العامة والمنشآت الثقافية ومؤسسات التعليم.
كما لم يتم إقرار قوانين لحماية الأقليات ولتحديد موقع الدين في الحياة الاجتماعية، لا في قطاع غزة الذي تحكمه حماس ولا في مصر ما بعد ثورة 25 يناير. لكن على الرغم من ذلك، كانت هناك محاولات في غزة على مدى سبع سنوات من حكم حماس لتجربة آليات من أجل موازنة المصالح.
وعلاوة على ذلك، حصلت مؤسسات المجتمع المدني على مكانة استشارية غير رسمية، إذ ناقشت حماس قوانين مثيرة للجدل، كقانون التعليم أو قانون العقوبات المستند على الشريعة، مع ممثلي منظمات حقوق الإنسان. ورغم الانقسام السياسي، لا تزال اللجان التحضيرية للمصالحة بين فتح وحماس تنعقد في الضفة الغربية وقطاع غزة بمشاركة كافة الفصائل الفلسطينية.
محمود عباس وخالد مشعل  في القاهرة. غيتي إميجيس
تفاهم بين خصمين سياسيين: في مايو 2011 وقع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، في القاهرة أول اتفاقية مصالحة مع حركة فتح بقيادة محمود عباس. وفي هذه الاتفاقية، وافقت حركة حماس – من بين عدة أمور – على تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، ما اعتُبر أمراً مستجداً عليها.
أما لجنة الحريات السياسية فقد تحولت إلى هيئة تُناقَش فيها قوانين حرية الرأي وحق التظاهر وحرية الحركة، بالإضافة إلى حالات الاعتقال أو تقييد حرية السفر.
عملية المصالحة في خطر
لكن يبدو أن عملية المصالحة الفلسطينية في خطر بسبب الانقلاب العسكري في مصر. فبعد سنوات طويلة من الانقسام، تجذّر الوعي في أن على الطرفين تقديم تنازلات. لكن من خلال الانقلاب في البلد المجاور، حصل من لا يريدون الاتفاق مع حماس على دعم جديد.
ومن المشكوك به أن يجد نداء التمرد ضد حماس في غزة، الذي تناقلته المواقع الإلكترونية بعد وقت قصير من الإطاحة بمرسي، آذاناً صاغية. لكن من المؤكد أنه لا يوجد في غزة جيش مستقل يمتلك القوة اللازمة للإطاحة بحماس، وهذا من شأنه أن يخفف من تحركات المجموعات المعارضة.
لكن عندما تطالب مظاهرات حاشدة من طبقات مختلفة في المجتمع بالمصالحة، فقد يكون حينها ميدان التحرير قد أرسل بإشارة إيجابية إلى فلسطين.


إنغريد روس
ترجمة: ياسر أبو معيلق
تحرير: علي المخلافي
حقوق النشر: قنطرة 2013
تدير إنغريد روس مكتب مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية في القدس الشرقية.